نظمت الجمعية حلقة نقاش بعنوان: (قراءة جديدة في التكفير الاعتزالي) للدكتور: سليمان بن عبدالعزيز الربعي رئيس قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة في كلية الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة القصيم، وذلك مساء يوم الاثنين  8/4/1434هـ في رحاب مقر الجمعية ببريدة.

وتناول فضيلته عدد من المحاور نعرض لها كما يلي:

أولاً- التكفير بين النقل والعقل:

يُعد التكفير أحد أخطر الأحكام التي تلحق بالمكلف في الدنيا والآخرة؛ لما يترتب عليه من أحكام عاجلة وآثار آجلة؛ ولهذا المعنى جاء في الحديث الصحيح: ( ومن قذف مؤمناً بكفر فهو كقتله)، وتزداد خطورة التكفير إذا غابت عنه الضوابط الشرعية فغدا فكرة عقلية أو موقفاً ناتجاً عن رؤية عقلية، حيث ينتقل من كونه محصوراً بالاختصاص الشرعي إلى الانحياز للاختيار الخاص المترتب على الهوى المحض أو الجهل المركب، ما يترتب عليه بالضرورة انفلاته من أُطره التي يضبطها الشارع بالنص المحكم، وتحقيق شرطي توافر الشروط وانتفاء الموانع والتفريق بين الأنواع والأعيان؛ لاستشرافه عدم إخراج الناس من الإيمان، إلى أن يصير التكفير حكماً سيالاً قابلاً للتوظيف والاستدعاء ضد المخالف للعقل المجرد لإلغاء خلافه أو إضعافه على الأقل، فيكون وسيلة قمع ذاتية أو مذهبية تستند إلى شبهة أو شهوة.

ثانياً- بيئات التكفير العقدية الظاهرة والمضمرة:

ثمة بيئات عقدية مثلت ـ وتمثل ـ محاضن طبيعية وتاريخية للتكفير؛ إما لكون هذا الحكم أحد لوازم مقولاتها الدينية كما في بيئة الخوارج برميهم المكلف بالكفر بالكبيرة ولو كانت واحدة حكماً صريحاً وواحداً ومطرداً، وإما لأن التكفير مظهر من مظاهر عدائها التاريخي والنفسي للمخالف أكثر من كونه تطبيقاً لحكم ديني متجرد وهو ما تمثله بيئة الشيعة الإمامية. لكن ما كان يلفت نظري دائماً أن ثمة بيئات عقدية أخرى طالما مارست التكفير نظرياً وسلوكاً، ومع ذلك تقدم ـ حتى صار ذلك صورة ذهنية ـ على أنها بيئات للحرية والدفاع عن اختيار الإنسان ومصلحة المكلف، وأعني بذلك البيئة الاعتزالية.

ثالثاً- المعتزلة من التكفير إلى التكفير:

تعود نشأة المعتزلة إلى حادثة شهيرة وقعت في مجلس الحسن البصري رحمه الله في منتصف القرن الثاني الهجري، وجدير بالذكر أن المعتزلة قد نشأت في لحظة تفكير معينة خرج فيها واصل بن عطاء من ضبط النص إلى سيولة العقل ومن تأطير الشرع إلى تهويمات الرأي وانفلاتاته المستعصية على التأطير.

ومع ذلك لم يستمر هذا الموقف على البعد النظري، بل تطور إلى أن يزين العقل الاعتزالي لأئمة هذه الفرقة إعادة إنتاج صور التكفير على نحو واسع من خلال تطبيقه على المخالفين في الاعتقاد بحجة أنهم ارتكبوا كبائر توجب هذا الحكم، وهي ـ في الحقيقية ـ لا تعدو أن تكون كبائر عقلية؛ لأنهم حكموا بالكفر على كل من خالف تفسيرهم العقلي المجرد لأصولهم الخمسة ( التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ).

والمهم أن المعتزلة تحولوا من التفكير إلى التكفير البدعي الذي يناقض تماماً ما يشاع عنهم من أنهم أنهم رواد التفكير الحر والمدافعين عن التعددية العقدية! وقد استمرت هذه المسيرة الاعتزالية بحيث استقرت على التكفير منهجاً وممارسة.

رابعاً- القديم والجديد في مسألة التكفير الاعتزالي:

بَحَثُ التكفير الاعتزالي في مصنفات أهل العلم ـ غالباً ـ هو بحث بوصفه استحقاقاً أخروياً يتمثل في كونهم يوجبون خلوده في النار بموجب حبوط العمل بفعل الكبيرة كما يعتقدون، وهنا يذكر أهل العلم والباحثون أن المعتزلة فرقة وعيدية تسمي فاعل الكبيرة في منزلة بين المتزلتين وتوجب خلوده في النار.

لكن ما لم يُبحث ـ وتحاول حلقة النقاش هذه إلقاء بعض الضوء عليه هوـ مفهوم الكفر عند المعتزلة ومناطاته ومستوياته، كما تحاول الإجابة عن علاقة أصول المعتزلة بالتكفير: هل هي طاردة أم جاذبة له؟ ثم هل للمعتقد الاعتزالي في التكفير معادل أو معادلات موضوعية في امتداد فكري معاصر ربما كان أوضح تجلياته الاتجاه العقلي؟

خامساً- الكفر والفسق عند المعتزلة: المفاهيم والملاحظات:

الكفر عند المعتزلة: الأمر القبيح الذي يعظم العقاب عليه في الآخرة. والقبيح الذي يعاقب مقترفه عندهم منه ما يتوافقون فيه مع سائر المسلمين كعبادة غير الله والشرك وإنكار النبوات والسمعيات، وثمة ما ينفردون به وهو مخالفة رؤيتهم الخاصة لأصولهم. فمن أثبت الصفات فقد كفر بحجة إثبات ما يقبح في التوحيد! ومن أثبت لله خلق أفعال عباده فقد كفر عندهم بحجة القبح بإثباته ما ينافي العدل! ومن قال بجواز أن يعفو الله تعالى عن مرتكب الكبيرة من فساق المؤمنين فقد كفر لمناقضة ذلك للوعد والوعيد! ومن قال بأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يستلزم الخروج على الولاة والسلطان فقد كفر لكونهم يوجبون الخروج عند القدرة للتغيير!

والفسق عندهم هو ما يبلغ عقابه مبلغاً يُبطل جميع ثواب طاعات العبد من الذنوب، وعلقوه بالكبائر. لكن حقيقة الفسق لديهم موهمة ولا تكشف عن حكم واضح؛ لكونها ملفقة من عدة مفاهيم ومعاني متناقضة، حيث أرادوا أن يكون لمرتكب الكبيرة من المسلمين اسم بين اسمين, فخالفوا الخوارج وأطلقوا اسم الفسق على مرتكب الكبيرة، ووافقوهم في أثرها بذهابهم إلى الإحباط بالكبيرة الواحدة، وحكمه في الآخرة فذهبوا إلى أن مرتكب الكبيرة خالد في النار كالكافر إلا أنه أخفّ عذاباً منه.

سادساً- مستويات التكفير الاعتزالي:

علاقة المعتزلة بالتكفير هي علاقة ممارسة أكثر من كونها علاقة تنظير، ويعود ذلك ـ في تقديري ـ إلى أمرين: الأول: سبب موضوعي: وهو أن أئمة المعتزلة لو اتجهوا للتكفير لناقض ذلك سبب نشأتهم بالاعتراض على تكفير مرتكب الكبيرة. والسبب الآخر: سبب تاريخي وهو الفترة التي شهدت تقعيد أصول المعتزلة، وجلها جهود للقاضي عبدالجبار في القرن الرابع، قد شهد فيها المذهب انحساراً بسبب إضعاف الخليفة المتوكل لها برفع المحنة وتخلص الدولة العباسية من تسلط المعتزلة.

وعلى كل فقد وجدت بذور أولى للتكفير النظشري المعلل عند المعتزلة وإن كانت محدودة كما في تكفير أبي صبيح المزدار (راهب المعتزلة) إلى تكفير من يثبت الصفات بعلة التشبيه، ومن يثبت القدر بزعم نسبة القبح إلى الله، بل مارس التكفير بالدور فكفّر من أثبت، وكفرّ من شك، وكفّر الشاك في الشاك! ومنه تكفير أبي عبدالله الصميري (من كبار أئمتهم) للمجتمع إذا غلب على أهلها إثبات الصفات والقدر!

وهذا النوع من التكفير ـ وإن كان محدوداً ـ إلا أنه يشير إلى غنوصية التكفير وكمونه في المعتقد الاعتزالي من جهة، وإلى قابلية البيئة والأصول الاعتزالية للتكفير بل وجاذبيتها له من جهة أخرى.

ولأن هذا التكفير غير منضبط ولا مؤطر بالضوابط والأطر الشرعية فهو يتطور؛ فالمزدار الذي كفّر المثبتة يتوسع في التكفير حتى يكفر أهل الأرض إلا نفسه وثلاثة من أصحابه، وأبو عمران الرّقاشي يكفر المجتمع كله ويحرم الاكتساب فيه!

أما المستويات العامة للتكفير الاعتزالي فيمكن ضبطها بما يلي:

1-  التكفير داخل مدرسة الاعتزالي: حيث وجد التكفير فيما بين المعتزلة بسبب مخالفة المكفّر لأصل أو أكثر من الأصول الخمسة كتكفيرهم لضرار بن عمرو لإثباته القدر، بل وجد التكفير بسبب المخالفة في غير الأصول كتكفيرهم أبا الحسين البصري ـ وهو من أئمتهم ـ لمخالفته لمنهج شيوخهم في الاستدلال، وتكفيرهم أبا الهذيل العلاف لقوله بأن أفعال الله لا متناهية، وأن حركات أهل الآخرة تفنى، وتكفيرهم للنظام لنفيه الجزء الذي لا يتجزأ، وتكفير أبي هائم الجبائي أباه أبا علي، وتكفيرهم المزادر وبشر بن عمرو وغيرهم.

2-  التكفير المخالفين خارج مدرسة الاعتزال: وهذا النوع من التكفير يجمع بين الحكم النظري وتطبيقه بقتل المخالف، وقد توسعت المعتزلة معتمدة على أصلهم الخامس: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث جعلوه وسيلة له، فكفروا مخالفيهم من الخلفاء والعلماء، كما في تكفيرهم الوليد بن يزيد بن عبدالملك وخروجهم عليه مع ابن عمه يزيد بن الوليد، ومنه تكفيرهم الإمام أحمد بن حنبل وأحمد بن نصر الخزاعي وغيرهما من الأئمة في مسألة الخلق بالقرآن، وهي مسألة ابتلي بالمحنة فيها عدد كبير من العلماء في ذلك الوقت.

بل أغرت المعتزلة أتباعها بتطبيق ما يترتب على التكفير من القتل ولو بغيلة؛ فقد كان هشام الفوطي وعباد بن سليمان يريان قتل المخالف وإن كان من أهل الإسلام!

سابعاً- تعقيب نهائي:

إن الفكرة الرئيسة التي تنتجها المحاور السابقة هي أن المدرسة الاعتزالية العقلية بأصولها الخمسة هي بيئة جاذبة للتكفير لكونها توجب الإيمان بمفاهيمها المؤسسة على رؤية عقلية بحتة؛ خلاف ما هي موجبات التكفير الشرعي التي تقرر أنه لا مجال في التكفير للاجتهاد لكونه حقاً خاصاً بالله ورسوله، وهي حقيقة صادمة لكثيرين، خاصة في ظل شيوع فكرة ذهنية عن المعتزلة بأنهم أول من حارب التكفير ودافع عن حق الإنسان في الاختيار!

ولأن المدرسة الاعتزالية ذات امتداد فكري معاصر متمثلاً بالاتجاه العقلي الغالي بمظاهره المختلفة؛ فإن ثمة إعادة لإنتاج التكفير وإن لم يكن بهذا الاسم؛ نظراً لعدم وجود خلفية عقدية لهذا الامتداد، من خلال مظاهر محاولة حمل الناس على رأي "عقلي" واحد، وإقصاء المخالف، وتضخيم أخطائه، وتعميمها، ومصادرة حقه في الاختلاف، والاستعداء عليه.

 

 

تاريخ الإضافة 09 / 01 / 2014
عدد المشاهدات 1198
التقييم
 ارسال لصديق 

الفعاليات